ربيع بغداد

خاص "خبرني"

سهير جرادات  
 
تزامن وجودي في بغداد الأسبوع الماضي، مع إنسحاب القوات الأميركية من الأراضي العراقية بتاريخ 15/12/2011 ، وكنت إلى جانب صحفيين عرب من 22 دولة عربية ، شاركوا في اجتماعات الأمانة العامة لإتحاد الصحفيين العرب ، الذي عقد في بغداد ،التي احتفلت بشكل خاص هذه المرة برفع العلم العراقي على جميع الأراضي العراقية، وهو وصف أطلقه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بأنه " حلم لم يكن يحلم به من قبل ".
لا أحد ينكر أن زوال الإحتلال بحد ذاته، حلم لكل الشعوب التي تسعى إلى الخلاص، فتحكم نفسها بنفسها، وبناء مستقبلها للعيش حياة حرة كريمة بعيدا عن الهيمنة من أي جهة كانت، لكن أكثر ما استوقفني، في ظل هذا الواقع الجديد للعراق ، تلك الكلمات التي وجهها المالكي للصحفيين، حين طلب منهم ، نقل ما يجري على الساحة العراقية إلى دولهم ، مبررا – كما قال لنا في حفل الإفتتاح - إنه قبل أربع سنوات " لم يكن بالإمكان استقبال مثل هكذا مؤتمرات ، حيث كانت بغداد مدينة أشباح، والجامعات معطلة ، ويقتل فيها الإنسان والكلمة الحرة والفكرة الطيبة ، وسادت فكرة القتل والطائفية والإرهاب، وانزوى العراق عن محيطه بسبب جراحاته الداخلية".
فكرت بهذه الكلمات، ونحن جالسون في الفندق، ولم يكن بإمكاننا أن نخرج منه، ونرى ما يحدث على الواقع، وكأنه فرضت علينا الإقامة الجبرية ،وعادت بي الذاكرة إلى ما قبل ثلاث سنوات، تحديدا في تاريخ 14/12/2008 ، حينما أرسل الصحفي العراقي منتصر الزيدي مراسل قناة البغدادية " قبلة الوداع " محملة بحذائه، إلى الرئيس الامريكي جورج بوش ، ممهورة بعبارة "هذه قبلة الوداع يا كلب" , إلا أن حذاءه أخطأ الهدف ، وطاش الحذاء فوق رأس بوش، وأصاب جدارا خلفه ، وتساءلت : هل هي مصادفة، أم خطة مدروسة يتم فيها خروج القوات الأمريكية من الأراضي العراقية ، بنفس الشهر ؟.
ظل المشهد العراقي في مخيلتي، وخاصة ونحن نطوي سنة رحل فيها الإحتلال، وننتظر سنة جديدة ، لا نعرف ماذا تخبئ للعراق في ظل الربيع العربي الذي بدأ بتونس؟؟، وما زال يطوف على الساحات العربية، ولم أزل في مكان إقامتي في الفندق ، الذي تحيط به أكثر المواقع العسكرية تحصينا في المنطقة الخضراء ، وهي الإسم الشائع للحي الدولي في بغداد ، الذي انشأته قوات الإحتلال، التي غزت العراق عام 2003 ، بمساحة تقدر بحوالي 10 كيلومترا، وهي أيضا مقر للدولة من حكومة وجيش، إلى جانب احتوائها على مقر السفارة الأمريكية، ومقرات منظمات ووكالات حكومية وأجنبية لدول أخرى ، واسمها القديم هو كرادة مريم ، والاسم الرسمي وفقاً للخرائط ، حي التشريع ، وكانت في السابق منطقة سكنية لأعضاء الحكومة العراقية، والعديد من الوزارات وعدد من قصور الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
كنا في فندق الرشيد الذي كان يأوي الملوك والرؤساء والوفود العربية ،التي كانت تأتي إلى بغداد من أجل مؤتمرات القمة العربية ، كما كسب شهرة عالمية خلال فترة الحصار على العراق وحرب الخليج الثانية، عندما رسمت صورة للرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب على أرضية مدخل الفندق، لتداس باقدام كل من يدخل أو يخرج منه. وظلت الأسئلة تدور في رأسي ، وأهمها هل هي مصادفة جاءت استضافة الوفود الصحافية في فندق الرشيد ، لنرى التغييرات التي أحدثها الاحتلال ؟.
ما زلنا في المنطقة المحصنة، التي لم تخرجنا من قيد الاحتلال ،وكانت الليلة الختامية للإجتماعات التي صادف فيها اعتقال نائب رئيس الجمهورية العراقي طارق الهاشمي ، وحينها كان رئيس المجلس الإسلامي الأعلى عمار الحكيم؛ يلتقي بالمشاركين في مؤتمر اتحاد الصحفيين العرب ، ليقول لهم " إن العراق تعافى بتخلصه من الإحتلال ، و تماسك أبناء شعبه ، وفتح صفحة جديدة في العلاقة بين الأشقاء العرب بعقد القمة العربية المقبلة في بغداد خلال شهر آذار المقبل ".
خرجنا وسط حراسات مشددة ، من المنطقة الخضراء بعد اربعة أيام من الإجتماعات، ولم نر بغداد ، التي لم تخرج من حزنها بعد، إلا من خلف الزجاج ، وفي جنح الظلام، وانتشار أصوات صافرات الإنذار ، ومرافقة الدراجات النارية، والمجنزرات الحربية، وحاملات رادارات الصواريخ ، لتصحو بغداد بعد أسبوع واحد فقط من خروج القوات الأمريكية ،على ستة تفجيرات عصفت بها مناطق مختلفة، لتعود بي الذاكرة إلى كلمات المالكي ، الذي اعتبر أن الأحداث المؤلمة، التي مرت على العراق كالمفخخات وعمليات الاغتيال، وسبقتها المقابر الجماعية، والقصف بالأسلحة الكيماوية، هي فترة ماضية من العراق . وأتساءل مع هذه الأحداث المتجددة في بغداد ، مع ليلة الخميس الماضي، يوم أن سقط 67 قتيلا ، وحوالي 200 جريح ، في التفجيرات التي شهدتها بغداد، هل صحيح ما قاله المالكي " إن العراق مر عليه الربيع قبل الدول العربية".
واستفسر عن قوله "بأن العراق يمتلك اليوم ربيعين،هما: ربيع سياسي، وربيع صحافي "، وما المقصود بالربيع الصحافي؟؟، إذا كانت بغداد، ما زالت تصنف لغاية الآن حسب جميع المنظمات الدولية، بأنها من أكثر الأماكن خطورة للصحفيين ، لا بل إنها تتصدر الدول بعدد القتلى من الصحفيين .
إن عقد اجتماع اتحاد الصحفيين العرب في بغداد، بدعوة من نقابة الصحفيين العراقيين، حدث لا بد لنا أن نتوقف عنده ، من حيث توقيته، الذي تزامن مع انسحاب القوات الأمريكية من العراق، ومع أحداث الربيع العربي، التي ستمتد إلى دول أخرى وستقلب الأمور رأسا على عقب .. ..
سيتبين لنا في الأيام المقبلة، إن كان ربيع بغداد، ربيعا صافيا، أم سيعتريه غيوم الفتنة والطائفية،والنزاعات الداخلية....
حتما سيكون للشعب العراقي دور في استرداد تاريخه العريق وحضارته وصروحه المجيدة، وستبقى بغداد .. وتبقى الأقلام الحرة .
 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
2011-12-24 

 

 

All rights reserved. 2018 © copyright