أوروبا وتركيا.. مَنْ سيخسر مَنْ؟


محمد خروب

فيما يواصل العلمانيون في تركيا ضغوطهم وتحديهم لحكومة حزب العدالة والتنمية, التي تواصل بدورها عملية «أسلمة» البلاد على ما يقول خصومها, الذين أخذت قوتهم وحضورهم في الشارع تتزايد على نحو لافت, سواء في المظاهرات التي نظّموها في مناسبة العيد الوطني, رغم حظرها «رسمياً» من قِبل وزارة الداخلية, أم في الطوابير الضخمة التي اصطفت على طول اكثر من عشرة كيلومترات خارج ضريح مصطفى كمال اتاتورك مؤسس الجمهورية «العلمانية» في مناسبة وفاته (توفي في 10/11/1938), ناهيك عن التباين في المواقف ازاء سياسات حكومة اردوغان الخارجية وخصوصاً ازاء الأزمة السورية, وتندّر المعارضة على نظرية «صفر مشاكل» التي جاءت في سياق «العمق الاستراتيجي» الذي نظّر له احمد داود اوغلو في كتابه الذي حمل الاسم السابق, حيث باتت أنقرة في واقع الحال.. بلا اصدقاء, وتنوعت المشاكل مع الجيران (وغير الجيران) بل ازدادت اتساعاً..
نقول: في ظل هذا المشهد المعقّد والمفتوح على مواجهات بين انصار الطرفين, الذين لا يوفرون مناسبة للاشتباك وتبادل الاتهامات, مضافاً اليها تصاعد التوتر بين الحكومة واكراد تركيا وخصوصاً حزب السلام والديمقراطية المُمثَل في البرلمان, الذي ترى فيه حكومة انقرة الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني, وانخراط بعض نوابه في اضراب عن الطعام مشاركة للسجناء الاكراد في السجون التركية, وتدهور سمعة حكومة حزب العدالة والتنمية في الاوساط السياسية والاعلامية الاميركية والاوروبية, على ضوء الاتهامات الغربية لأنقرة بالتضييق على حرية التعبير وسجن الصحفيين والتنكيل بهم, وطرد من لا يشاركها الرأي من العمل في وسائل الاعلام المختلفة, يبرز الى واجهة المشهد الفتور الواضح بين انقرة وبروكسل (مقر الاتحاد الاوروبي) والذي تجلى في «التهديد» او (التلويح بهالذي اطلقه اردوغان من برلين عندما قال: ان الاتحاد الاوروبي سيخسر تركيا اذا لم يمنحها العضوية بحلول العام 2023.
الزعيم التركي الطامح لرئاسة الجمهورية في العام 2014 (اذا ما نجح في تعديل الدستور لتصبح تركيا ذات حكم رئاسي وليس برلمانيا على ما هي عليه الان)، منح لنفسه مهلة طويلة (2023) يدرك في قرارة نفسه انه ربما إن لم يكن أكيدا، ان حزب العدالة والتنمية لن يواصل الاحتفاظ بالسلطة حتى ذلك العام، ما يعني ادراكه ايضا ان انقرة باتت اكثر بُعداً عن تحقيق هدفها بالحصول على العضوية بعد تقرير الاتحاد الاوروبي السنوي الاخير الذي اثار غضبا عارما في اوساط الحزب الحاكم, بعد ان انتقد بقسوة الكثير من الاجراءات التركية التي لا تتواءم والمعايير الاوروبية للعضوية وخصوصا مسألة حقوق الانسان وحرية التعبيرما دفع بأحد المسؤولين الكبار في حزب العدالة والتنمية الحاكم, للدعوة الى القاء التقرير في سلة المهملات على ما ذكرت وسائل الاعلام التركية.
لماذا اختار اردوغان إذاً العام 2023 كهدف اخير؟
ربما لإثارة مشاعر الاتراك الوطنية حيث يصادف ذلك العام مرور «قرن» على قيام الجمهورية التي اسسها اتاتورك على انقاض دولة الخلافة، ما يسمح ايضا للاتراك ان ينتظروا طويلا حتى تتزامن العضوية الاوروبية (إن حصلت) مع الاحتفالات بمئوية الجمهورية(!!).
اين من هنا؟
من السابق لاوانه الرهان على المدة التي حددها اردوغان لدخول النادي الاوروبي, اضافة بالطبع الى ان الِعقد المقبل لن يكون بغير مفاجآت او تغييرات عاصفة تسقط فيه انظمة وحكومات, وتنهار تحالفات وتتفكك دول وأحلاف عسكرية وسياسية وتقوم غيرها, ولن تبقى الاقتصادات خصوصاً تلك التي توصف الان بأنها.. صاعدة, بمنأى عن تلك العواصف.
فمن سيخسر مَنْ؟
التكهن في هذا الشأن.. اكثر من مغامرة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

All rights reserved. 2018 © copyright