خاص "خبرني"
 
سهير جرادات
مساء كل يوم يجلس في أحد مقاهي وسط البلد مع مجموعة من أصدقائه؛ يلعبون سوية لعبة "طاولة الزهر " أو "ورق الشدة " ، ويتبادلون أطراف الحديث والضحكات فيما بينهم ، وفي كل ليلة يأتي إليه " صبي القهوة " أكثر من مرة ليخبره بأن هناك من يطلب الحديث معه على الهاتف ، فمرة يستجيب ، وعشرات المرات يطلب منه أن يبلغ المتصل أنه لم يأت بعد ، أو أنه مشغول بالحديث مع أصدقائه أو أنه سيتصل معهم فيما بعد ، أو أنه خرج لأمر هام على عجل! .
في أحد الأيام سأله الصديق الذي يلعب معه "الطاولة" : من الذي يطلبك بهذا الإلحاح دون كلل أو ملل ؟
أجابه بسرعة : بالتأكيد المدام .. فهي عروس جديدة ، وغدا ستأخذ على هذا الوضع ، وتتعود ، وعلى حسب القول :" معاك معاك .. قلبها بموت".
مع مرور الأيام ، تقلصت أعداد الهواتف التي تطلب الحديث معه ، إلى أن تلاشت تماما،وما لبثت تلك الاتصالات تنهال من جديد، ولكن هذه المرة تطلب صديقه الذي تزوج حديثا، والذي بدوره مال عليه متسائلا : ما الذي فعلته مع زوجتك ؟، حتى توقفت الهواتف والمتابعات والملاحقات لك .
ضحك وهو يستأذن بالانصراف وقال له : " معاك معاك .. قلبها بموت " ، وما أن وصل إلى المنزل حتى تناول تلك الصحف اليومية التي يحضرها من دائرته ليتصفحها قبل النوم ، واستوقفته تلك الأوراق والإثباتات التي نشرتها رئيسة مجلس مفوضي هيئة المناطق التنموية والحرة المستقيلة مها الخطيب ، حول قضية الإصرار الحكومي لبيع أراضي على شواطئ البحر الميت لشركة السنابل، التي يملكها النائب محمد السعودي بأقل من قيمتها الحقيقية بنسبة 70 بالمئة ، وهذا يعد مخالفة للمادة ( 75 ) من الدستور الأردني، التي نصت بوضوح علىمنع كل عضو من أعضاء مجلسي الأعيان والنواب أثناء مدة عضويته التعاقد مع الحكومة أو المؤسسات الرسمية العامة أو الشركات التي تملكها أو تسيطر عليها الحكومة ... .
وقرأ رد الحكومة التي خرجت عن صمتها بعد ساعات ، وعلقت على ذلك عبر ناطقها الرسمي بأن الحكومة اعترضت على عدم التزام الخطيب بسعر الأرض المؤجرة للشركة المذكورة ، وعرج على رد الاتهامات للخطيب وعلاقتها بمشروع منتجع " البحيرة " السياحي، الذي اطلق عندما كانت وزيرة للسياحة في حكومة سمير الرفاعي ، وكانت قد طلبت ضم المشروع إلى حدود المناطق التنموية.
وتابع أيضا بقراءته خبرا يتضمن طلب رئيس هيئة مكافحة الفساد من الخطيب تزويد الهيئة بكافة الأوراق للتحقق منها، علما بأن الوزيرة كانتأبلغت رئيس الهيئة سميح بينو باستقالتها ووضعته في تفاصيل القضية.
أخذ يقلب بالصحف إلى أن وقع بين يديه ذلك الجزء من صحيفة قديمة ما زالت " المدام " محتفظة بها لغايات تنظيف وتلميع النوافذ، أو لاستخدامها كمفرش لموائد الطعام، واستغرق كثيرا بقراءة خبر تمرير اللجنة المالية في مجلس النواب التي يرأسها النائب السعودي بالموافقة على مشروع قانون الموازنة العامة.
وعرج على خبر توصية لجنة النزاهة والشفافية وتقصى الحقائق في مجلس النواب بمخاطبة وزير العدل والنائب العام بخصوص جلب المحكوم عليه رئيس مجلس إدارة شركة الفوسفات الأسبق وليد الكردي، والموجود في بريطانيا التي يحمل جنسيتها، بعد توقيع الأردن اتفاقية صادق عليها البرلمان بتبادل المحكومين بين الأردن وبريطانيا..
اكتفى بهذا القدر من القراءة، وذهب إلى المطبخ وتحديدا فوق المجلى الممتلئ بالصحون المتسخة ،حيث تعلق " المدام " الرزنامة السنوية، التي تتضمن حكمة أو مثل اليوم على ظهر كل صفحة ، ونزعها بعصبية، وقرأ الحكمة بصوت مرتفع وهو يضحك:- "ما شافوهم وهمه بيسرقوا ولكن شافوهم وهمه بيتقاسموا".
بدل ملابسه استعدادا للنوم، وقبل أن يطفئ النور استيقظت زوجته وقالت له: رجعت؟، ابتسم وهو يقول لها : نامي نامي .. مش لحالك قلبك مات، الواضح أن الجميع قلبهم مات مثلك.
صحيح أنه " معاك معاك .. قلبك بموت، رغم أنك حي "، وإلا لكانت قد علقت مشانق..
 
 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 

 

 

All rights reserved. 2018 © copyright