خلف و موسم الهجرة إلى المدارس
 
خاص "عمون"
 
سهير جرادات

سجل خلف أصغر أحفاده في المدرسة ، وأختار له مدرسة حكوميه تفصل بينها وبين منزل العائلة عدة كيلومترات ، وصار خلف الصغير في الصف الأول الابتدائي  ج

فتحت المدارس ، واصطحب الجد حفيده الصغير إلى المدرسة ليوجهه إلى الطريق الذي سيسلكه في الذهاب والإياب من المنزل إلى المدرسة ، ولقنه رقم خط السرفيس ليحفظه ، وحذره : دير بالك يضحك عليك " الشفير" ، وما يرجعلك " التعريفة " باقي البريزه يا ولد !!.

تزامن وصول خلف بصحبة جده ،إلى المدرسة مع قرع الجرس ، فأخذ المعلم يصيح بأعلى صوته : إلى الطابور الصباحي يا ولد ، التحق خلف الصغير بالطابور ووصية جدة ترن في أذنه : شد حيلك ولك ، أنت زلمه !.

مرت الحصص الثلاث الأولى بسلام ، وجاءت "الفرصة المدرسية " التي انتظرها خلف الصغير طويلا ، وبدأ يلتهم سندويشته المكونة من الجبنة البيضاء وخيارة مغسولة ،"مش مقشرة" أعدتها له والدته ، وسط تحذيرات شديدة اللهجة وجهت إليه : مش الأولاد يوكلوا سندويشتك يا هبيلة !.

أنهى خلف الصغير التهام سندويشته في جو مشحون بالتوتر والخوف الشديدين ؛من أن يلتقط أحد أقرانه سندويشته ، ويعود إلى منزله "هبيلة وجوعان " .

نظر خلف الصغير من حوله ، فوجد طلابا يلتهمون " الشبس " وآخرين يشربون العصير ،وغيرهم يمسكون " سندويشة فلافل " أو حبة شوكلاته ،قاموا بشرائها من مقصف المدرسة .

تجرأ خلف بالذهاب إلى المقصف ، وقرر الشراء بمصروفه الذي ناوله إياه جده خلف الكبير ، وهو يقول له ويشد على أصابع يديه التي احتضنت "الشلن " : خذ مصروفك يا ولد ، على الله ما حدا يشلحك إياه يا أهبل !.

انتظم خلف الصغير في الطابور وراء الطلبة ؛ينتظر دوره في الشراء ، لكن حصل ما كان يخشاه ، حيث قام أحد الطلبة من الصفوف العليا بدفشه ،فوقع على الأرض ليسجل بكل جدارة انه " خويثه " ، حسب ما أبلغته شقيقته الكبرى : مش يضربوك الأولاد الكبار ، وتصير "خويثه" المدرسة !.

وصل خلف الصغير إلى البائع في المقصف مع انتهاء "الفرصة " ، ووسط ارتفاع حدة صوت البائع الجهوري ، وهو يقول : وأنت ،خلصني شو بدك تشتري ، بدأ خلف الصغير بسرعة التقاط أول حبه شوكلاته أمامه بيد وإعطاء البائع النقود باليد الأخرى .

جاء رد البائع : " شلن " ، ولك هاي أغلى ، وكالصعقة الكهربائية في جسمه ، ألقاها خلف أمام البائع ، والتقط علبة عصير ، صاح البائع : ما بكفي ، هات كمان "قرش " .

احتار خلف الصغير ، وفي سباق مع تعالي حدة صوت جرس الدخول إلى الصف ، التقط كيس صغير " شبس" ، وبسرعة قام البائع بسحبه من يده ، وهو يقول له : اقلب وجهك ، غلبتني !.

خطر ببال خلف الصغير، بعد هذا الموقف فكرة ذكيه: ...غدا سآخذ مصروفي " شلن " ، بصير معي " شلنيين " ، بشتري اللي بدي إياه .

لم تدم فرحة خلف الصغير طويلا ، حيث سقط " الشلن " الوحيد من بين أصابعه الصغيرة على الأرض ، ووسط تدافع الطلاب ، ضاع شلنه ولم يعثر عليه.

وفي نهاية دوام اليوم الدراسي الأول، وأثناء خروج خلف الصغير علق كم القميص الأيمن في مسمار بارز من باب الصف الخشبي، فأحدث ثقبا في ذلك القميص الذي أحضرته له والدته بعد استهلاك دام ثلاث سنوات مع ابن خالته.

لم يكترث خلف الصغير كثيرا لذلك الثقب الذي أحدثه المسمار في قميصه الذي أجبر على الدخول فيه ، رغم ضيقه وصغره عليه ، ولم يحزن على ضياع " الشلن" الوحيد ، ولم يعد يحلم بالحصول على كيس " الشبس " .

وأنصب تفكيره ألا يسمع النعوت المشينة التي جهزتها العائلة له قبل الذهاب إلى المدرسة، ليمطرونه بها على مائدة الغداء بعد عودة الوالد الذي نقل للعمل في إحدى المحافظات المجاورة:

.. هبيله ، ضيع مصروفه .
..ما طلع زلمه ، ضحكوا عليه.
..خويثه المدرسة. 

ملاحظة: هذه قصة واقعية، رواها لي احدهم، من ذاكرة الطفولة.

Jaradat63@yahoo.com

9/19/2010



   
 

All rights reserved. 2013 © copyright