فقد بصره وظلت عمان في بصيرته


خاص "عمون"

سهير جرادات

وقف طويلا أمام لوحة زيتية متأملا فيها ،وفجأة قال : مللت النظر إليها، لن أبقيها في مكانها، سأنزعها من جدار الغرفة لأضع لوحة بديلة ، تكون أشجارها أكثر اخضرارا ،وبحرها أكثر زرقة ،تحتل في داخلي اكبر مساحة للتفاؤل. 

كان يحدث نفسه ، وهو يتجول في أروقة بيته ، يسير بكل ثقة ، وهو يضع يديه في جيبه ، إلى أن وجد نفسه في المطبخ، ليقوم بإعداد وجبة العشاء ،المضاف إليها كوب من الشاي ، بعدها وجد نفسه باتجاه غرفة المعيشة ، ورمى نفسه على الكرسي ، وتناول (ريموت ) التلفاز ، وأخذ يقلب ما يفضل من محطات . 

شرع يحدثني عن المحطات التلفزيونية المفضلة له ، والبرامج التي يحلو له مشاهدتها ، ويزيد في تفاصيل حديثه ، عن القنوات التلفزيونية تفاصيل أخرى ، وكأنه يمضي أوقاتا طويلة ، وهو يمتع نفسه بالبرامج المتنوعة ، إذ بدأ يسترسل وهو يخبرني عن المذيعات الجميلات في الشكل والأداء ، ولم يكتف بذلك لتصل متابعاته إلى بيان سمات بعضهن ،وما يميزهن من أصوات" فهذه حادة الطباع ،كصوتها الجهوري ، وهذه هادئة وهذه مترددة ...". 

بعد أن سمع والدته التي فقدت الإحساس بنصف الطولي تشكو وجعا في رأسها ، قام مسرعا ، واحضر جهازي السكري والضغط لقياس نسبتهما ،ومعرفة أي تغيرات على حالة والدته في هذين المرضين ، أخذ يفحصها ، وهي تقرأ له بصوت عال ما سجله الجهازين من أرقام ، عندها بادر إلى إحضار حبة دواء الضغط إليها ،وقام بحقنها بإبرة الأنسولين . 

كان يستعد لاستضافة أصدقائه منذ أيام الطفولة في بيته ، اخذ سماعة الهاتف وطلب احتياجات المنزل من السوبرماركت ، واتصل أيضا مع أحد المطاعم يطلب وجبة المنسف ، لتزين وليمته في اليوم التالي ، ويوصي على الكنافة التي لن تكتمل ضيافته إلا بها . 

وبعد أن أنهى استعداداته ، رمى بنفسه على الأريكة، وأخذ يقول: ما يزعجني عدم قدرتي على اختيار ملابسي بنفسي ، والخروج من المنزل بمفردي ، والاستمتاع باحتساء فنجان القهوة ، والتمتع بقراءة الجريدة في إحدى زوايا مقاهي عمان الجميلة . 

تنهد وقال لي : إنني افتقد رؤية جميلتي عمان التي أحببتها ، عمان الصغيرة التي كبرت بنا وكبرنا بها ، وأخذ يسألني عنها : هل كبرت عمان ، أم ما زالت فتيه ولم تشيخ ؟ 

هل توسعت برشاقة ؟ 

هل اكتسبت الحداثة ، ولم تفقد عراقتها؟ 

وهل ... ؟ وهل .. ؟ وهل ....؟ 

أسئلة كثيرة انهالت علي ، ولن تكتمل أجوبتها ،.. لم يتعب من طرحها ، ولكنه وجد نفسه مضطرا للتوقف عن طرحها فقط ، رأفة بي وشفقة علي .. فعمان بالنسبة له كما هي للكثيرين المعشوقة التي لا يمكن أن يمل المحب منها ، أو الاستمتاع بذكرها .. 

ملاحظة: عزيزي القارئ ، هذه القصة حقيقية ، وأبطالها أناس حقيقيون ، البطل الرئيس فيها زميل كتب عن عمان الكثير ، الكثير، وتغنى بها وبجمالها ، قبل أن يفقد بصره، الا أنه لم يفقد البصيرة وظل عاشقا لها ولشقيقاتها من المدن الأردنية التي أحب.. 

فكل الحب والتقدير والثناء له من عمان وأهلها ،فلن أقول له " مت – عاميا " ، بعد أن كان قد فرض عليه وقيد ب " مت – قاعدا" ، فهو مازال في ريعان الشباب ، وعز العطاء ، فلا هُنت ولا هان الرجال

 

jaradat63@yahoo.com

 

7/4/2010



   
 

All rights reserved. 2013 © copyright